السيد علي عاشور

70

موسوعة أهل البيت ( ع )

متنه ، وأقبلت مجدّا في السير حتّى وردت الشعب فإذا أنا بالفتى قائم ينادي : إليّ يا أبا الحسن إليّ ، فما زلت نحوه فلمّا قربت بدأني بالسلام وقال لي : سر بنا يا أخي فما زال يحدّثني وأحدّثه حتّى تخرقنا جبال عرفات وسرنا إلى جبال منى ، وانفجر الفجر الأوّل ونحن قد توسّطنا جبال الطائف فلمّا أن كان هناك أمرني بالنزول وقال لي : إنزل فصلّ صلاة الليل ، فصلّيت وأمرني بالوتر فأوترت وكانت فائدة منه . ثمّ أمرني بالسجود والتعقيب ثمّ فرغ من صلاته وركب وأمرني بالركوب ، وسار وسرت معه حتّى علا ذروة الطائف فقال : هل ترى شيئا ؟ قلت : نعم أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقّد البيت نورا ، فلمّا أن رأيته طابت نفسي فقال لي : هناك الأمل والرجاء ، ثمّ قال : سر بنا يا أخ ، فسار وسرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة وسار في أسفله فقال : انزل فهاهنا يذلّ كل صعب ويخضع كلّ جبّار ، ثمّ قال : خلّ عن زمام الناقة . قلت : فعلى من أخلفها . فقال : حرم القائم لا يدخله إلّا مؤمن ولا يخرج منه إلّا مؤمن ، فخليت عن زمام راحلتي وسار وسرت معه إلى أن دنا من باب الخباء ، فسبقني بالدخول وأمرني أن أقف حتّى يخرج إلي ، ثمّ قال لي : أدخل هناك السلامة ، فدخلت فإذا أنا به جالس قد اتشح ببردة واتّزر بأخرى وقد كسر بردته على عاتقه وهو كأقحوانة أرجوانة « 1 » قد تكاثف عليها الندى وأصابها ألم الهواء « 2 » ، وإذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان سمحي سخي تقي نقي ، ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق ، بل مربوع القامة ، مدوّر الهامة ، صلت الجبين ، أزجّ الحاجبين ، أقنى الأنف سهل الخدّين ، على خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على رضاضة العنبر ، فلمّا أن رأيته بدرته بالسلام فردّ عليّ أحسن ما سلّمت عليه وشافهني وسألني عن أهل العراق ، فقلت : سيدي قد ألبسوا جلباب الذلّة وهم بين القوم أذلّاء . فقال لي : يا بن المهزيار لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ أذلّاء . فقلت : سيدي لقد بعد الوطن وطال المطلب . فقال : يا بن المهزيار أبي أبو محمد عهد إلي أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم ، وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلّا وعرها ومن البلاد إلّا قفرها ، واللّه مولاكم أظهر التقية فوكلها بي ، فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج . فقلت : يا سيدي متى يكون هذا الأمر ؟ فقال : إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة ، واجتمع الشمس والقمر واستدار بهما الكواكب والنجوم . فقلت : متى يا بن رسول اللّه ؟ قال لي : في سنة كذا وكذا يخرج دابّة الأرض من بين الصفا والمروة ، ومعه عصا موسى وخاتم سليمان تسوق الناس إلى المحشر . قال : فأقمت عنده أيّاما وأذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي وخرجت نحو منزلي ، واللّه

--> ( 1 ) أقحوان بابونج ، أرجوانة الأحمر . ( 2 ) إصابة الندى تشبيه لما أصابه من العرق ، وأصابه ألم الهواء لانكسار لون الحمرة وعدم اشتدادها .